فصل: تجربة الصّبيّ لمعرفة رشده

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


تتابع

التّعريف

1 - من معاني التّتابع في اللّغة‏:‏ الموالاة‏.‏ يقال تابع فلان بين الصّلاة وبين القراءة‏:‏ إذا والى بينهما، ففعل هذا على أثر هذا بلا مهلة بينهما‏.‏ وتتابعت الأشياء‏:‏ تبع بعضها بعضاً‏.‏ وتابع بين الأمور متابعةً وتباعاً‏:‏ واتر ووالى‏.‏ ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن ذلك‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - التّتابع يكون في صوم الكفّارات، ويكون في الاعتكاف، ويكون في الوضوء والغسل، ويسمّى غالباً ‏(‏الموالاة‏)‏ وتنظر أحكامه في ‏(‏الوضوء والغسل‏)‏‏.‏

التّتابع في الصّوم في كفّارة اليمين

3 - إذا لم يجد الحانث في يمينه ما يكفّر به عنها، من إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة أو عجز عن ذلك، كان عليه أن ينتقل إلى الصّوم، فيصوم ثلاثة أيّام‏.‏ والأصل في ذلك قول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لا يؤاخِذُكم اللّهُ باللَّغْوِ في أيمانِكم ولكنْ يؤاخِذُكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ فكفّارتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطْعمون أهليكم أو كِسْوتهم أو تحريرُ رَقبةٍ فمن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ ذلك كفّارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتُم‏}‏‏.‏

واختلف الفقهاء في التّتابع، فذهب الحنفيّة وهو الأصحّ عند الحنابلة، وهو قول للشّافعيّة‏:‏ إلى وجوب التّتابع، للقراءة الشّاذّة لابن مسعود فصيام ثلاثة أيّام متتابعات‏.‏ وذهب المالكيّة - وهو قول للشّافعيّة - إلى جواز صومها متتابعةً أو متفرّقةً‏.‏ ر‏:‏ ‏(‏كفّارة اليمين‏)‏‏.‏

التّتابع في الصّوم في كفّارة الظّهار

4 - يأتي الصّوم في المرتبة الثّانية بعد العتق في كفّارة الظّهار، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذينَ يُظَاهِرُون من نسائِهم ثمّ يَعُودونَ لِمَا قالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أنْ يَتَماسَّا ذلكمْ تُوعظونَ به واللّهُ بما تعملونَ خبيرٌ‏.‏ فمنْ لم يَجِدْ فصيامُ شهرين مُتَتَابعين من قبلِ أن يَتَمَاسَّا فمنْ لم يستطعْ فإطعامُ ستّينَ مِسْكيناً ذلك لِتُؤمنوا باللّهِ ورسولِهِ وتلك حدودُ اللّهِ وللكافرينَ عذابٌ أليمٌ‏}‏‏.‏ فإن لم يجد المظاهر ما يعتق كما في الآية الأولى انتقل إلى الصّيام، فيصوم شهرين متتابعين كما في صدر الآية الثّانية، ليس فيهما رمضان، ويوما العيد، وأيّام التّشريق، وذلك من قبل أن يتماسّا‏.‏ فإن جامعها في الشّهرين ليلاً أو نهاراً عامداً أو ناسياً بعذر أو بغير عذر استقبل، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ قبلِ أنْ يَتَمَاسَّا‏}‏‏.‏

وبهذا أخذ الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة والحنابلة في وجوب التّتابع، إلاّ أنّ الشّافعيّة قالوا‏:‏ إذا جامعها ليلاً قبل أن يكفّر يأثم ولا يبطل التّتابع‏.‏ ر‏:‏ ‏(‏كفّارة الظّهار‏)‏‏.‏

التّتابع في الصّوم في كفّارة الفطر في نهار رمضان

5 - تجب الكفّارة بالجماع في نهار رمضان باتّفاق‏.‏ وتجب بالأكل أو الشّرب عمداً عند الحنفيّة والمالكيّة، والكفّارة تكون بالعتق أو الصّوم أو الإطعام‏.‏

وتأتي مرتبة الصّوم بعد العتق عند الحنفيّة والشّافعيّة وجمهور الحنابلة، وفي رواية عن أحمد أنّها على التّخيير بين العتق والصّيام والإطعام وبأيّها كفّر أجزأه، وهذا بناءً على أنّ أو للتّخيير لما روى أبو هريرة «أنّ رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً»‏.‏

وعند المالكيّة كفّارته على التّخيير أيضاً، ولكنّهم فضّلوا الإطعام على العتق فجعلوه أوّلاً، لأنّه أكثر نفعاً لتعدّيه لأفراد كثيرة، وفضّلوا العتق على الصّوم، لأنّ نفعه متعدّ للغير دون الصّوم، فالصّوم عندهم في المرتبة الثّالثة‏.‏

وسواء كان هذا أو ذاك، فإنّ صوم كفّارة الفطر في رمضان شهران متتابعان عند الأئمّة الأربعة‏.‏ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ «بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال‏:‏ يا رسول اللّه‏:‏ هلكت، قال‏:‏ ما لك‏؟‏ قال‏:‏ وقعت على امرأتي وأنا صائم‏.‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل تجد رقبةً تعتقها‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك، أُتِيَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر - والعرق‏:‏ المكتل - قال‏:‏ أين السّائل‏؟‏ فقال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ خذ هذا فتصدّق به‏.‏ فقال الرّجل‏:‏ على أفقر منّي يا رسول اللّه‏؟‏ فواللّه ما بين لابَتَيْها - يريد الحرّتين - أهلُ بيت أفقر من أهل بيتي‏.‏ فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه، ثمّ قال‏:‏ أَطْعِمْه أهلَكَ»‏.‏

الصّوم في كفّارة القتل

6 - يأتي في المرتبة الثّانية بعد العجز عن العتق، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنْ قتلَ مُؤْمناً خَطَأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِهِ إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمنْ لمْ يجدْ فصيامُ شَهْرينِ متتابعينِ تَوْبَةً من اللّهِ وكانَ اللّهُ عليماً حكيماً‏}‏‏.‏

فالتّتابع في صيام هذين الشّهرين واجب اتّفاقاً‏.‏ ر‏:‏ ‏(‏كفّارة القتل‏)‏‏.‏

التّتابع في صوم النّذر

7 - إن نذر أن يصوم أيّاماً، أو شهراً، أو سنةً، ولم يعيّن، وشرط التّتابع لزمه اتّفاقاً، وكذا لو نذر أن يصوم شهراً معيّناً كرجب، أو سنة معيّنة، لزمه التّتابع في صيامها كذلك‏.‏ أمّا لو نذر شهراً، أو سنةً غير معيّنين، ولم يشترط التّتابع، فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة، وهو رواية عند الحنابلة إلى‏:‏ أنّه لا يلزمه التّتابع، وفي رواية أخرى عند الحنابلة يلزمه التّتابع، وروي عن أحمد كذلك فيمن قال‏:‏ للّه عليّ أن أصوم عشرة أيّام‏:‏ يصومها متتابعةً‏.‏ وانظر للتّفصيل مصطلح‏:‏ ‏(‏نذر‏)‏‏.‏

التّتابع في الاعتكاف

8 - مذهب الحنفيّة‏:‏ أنّ من أوجب على نفسه اعتكاف أيّام، بأن قال‏:‏ عشرة أيّام مثلاً، لزمه اعتكافها بلياليها متتابعةً، وإن لم يشترط التّتابع، لأنّ مبنى الاعتكاف على التّتابع‏.‏ وكذا لو قال‏:‏ شهراً، ولم ينوه بعينه، لزمه متتابعاً ليله ونهاره، يفتتحه متى شاء بالعدد، لا هلاليّاً، وإن عيّن شهراً يعتبر الشّهر بالهلال، وإن فرّق الاعتكاف استأنفه متتابعاً‏.‏ وقال زفر في نذر اعتكاف شهر‏:‏ إن شاء فرّق الاعتكاف وإن شاء تابعه‏.‏ وإن نوى الأيّام خاصّةً أي دون اللّيل صحّت نيّته، لأنّ حقيقة اليوم بياض النّهار‏.‏

وعند المالكيّة كذلك، يلزم تتابع الاعتكاف المنذور فيما إذا كان مطلقاً، أي غير مقيّد بتتابع ولا عدمه‏.‏ وأنّ من نذر اعتكاف شهر أو ثلاثين يوماً فلا يفرّق ذلك‏.‏ وهذا بخلاف من نذر أن يصوم شهراً أو أيّاماً، فإنّه لا يلزمه التّتابع في ذلك‏.‏

والفرق‏:‏ أنّ الصّوم إنّما يؤدّى في النّهار دون اللّيل فكيفما فعل أصاب، متتابعاً أو مفرّقاً‏.‏ والاعتكاف يستغرق الزّمانين اللّيل والنّهار، فكان حكمه يقتضي التّتابع‏.‏

والمراد بالمطلق‏:‏ الّذي لم يشترط في التّتابع لفظاً، ولم يحصل فيه نيّة التّتابع، ولا نيّة عدمه‏.‏ فإن حصل فيه نيّة أحدهما عمل بها‏.‏ ويلزم المعتكف ما نواه من تتابع أو تفريق وقت الشّروع، وهو حين دخوله فيه، ولا يلزمه بنيّته فقط، لأنّ النّيّة بمجرّدها لا توجب شيئاً‏.‏

والشّافعيّة قالوا‏:‏ إنّ من نذر أن يعتكف شهراً فإن عيّن شهراً لزمه اعتكافه متتابعاً ليلاً ونهاراً، سواء كان الشّهر تامّاً أو ناقصاً، لأنّ الشّهر عبارة عمّا بين الهلالين، تمّ أو نقص‏.‏ وإن نذر اعتكاف نهار الشّهر لزمه النّهار دون اللّيل، لأنّه خصّ النّهار فلم يلزمه الاعتكاف باللّيل، فإن فاته الشّهر ولم يعتكف فيه لزمه قضاؤه، ويجوز أن يقضيه متتابعاً ومتفرّقاً، لأنّ التّتابع في أدائه بحكم الوقت، فإذا فات سقط التّتابع في صوم رمضان‏.‏ وإن نذر أن يعتكف متتابعاً لزمه قضاؤه متتابعاً، لأنّ التّتابع هنا بحكم النّذر، فلم يسقط بفوات الوقت‏.‏

وإن نذر اعتكاف شهر غير معيّن، واعتكف شهراً بالأهلّة أجزأه، تمّ الشّهر أو نقص، لأنّ اسم الشّهر يقع عليه، وإن اعتكف شهراً بالعدد لزمه ثلاثون يوماً، لأنّ الشّهر بالعدد ثلاثون يوماً‏.‏ فإنّ شرط التّتابع لزمه متتابعاً، لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ نَذَرَ وسمّى فعليه الوفاء بما سمّى» وإن شرط أن يكون متفرّقاً جاز أن يكون متفرّقاً ومتتابعاً، لأنّ المتتابع أفضل من المتفرّق، وإن أطلق النّذر جاز متفرّقاً ومتتابعاً، كما لو نذر صوم شهر‏.‏

أمّا الحنابلة فقد ذهبوا إلى أنّ من نذر اعتكاف أيّام متتابعة يصومها فأفطر يوماً أفسد تتابعه، ووجب عليه الاستئناف، لإخلاله بالإتيان بما نذره على صفته‏.‏

وإن نذر اعتكاف شهر لزمه شهر بالأهلّة أو ثلاثون يوماً، والتّتابع فيه على وجهين‏:‏ أحدهما لا يلزمه، والثّاني يلزمه، وقال القاضي‏:‏ يلزمه التّتابع قولاً واحداً، لأنّه معنًى يحصل في اللّيل والنّهار، فإذا أطلقه اقتضى التّتابع‏.‏ ر‏:‏ ‏(‏اعتكاف‏)‏‏.‏

ما يقطع التّتابع في صيام الكفّارات

ينقطع التّتابع في صوم الكفّارة بأمور ذكرها الفقهاء وهي‏:‏

أ - الفطر بإكراه أو نسيان ونحوهما‏:‏

9 - يرى الحنفيّة أنّ الإفطار بعذر أو بغير عذر يقطع التّتابع، باستثناء عذر المرأة في الحيض، ولم يفرّقوا في ذلك بين عذر المرض أو غيره، وهو يتناول الإكراه‏.‏

وأمّا لو أكل ناسياً في كفّارة الظّهار فقد ذكر صاحب الفتاوى الهنديّة‏:‏ أنّه لا يضرّ‏.‏

ولا يجزئ عن الكفّارة صيام تسعة وخمسين يوماً بغير اعتبار الأهلّة، أمّا إذا صام شهرين باعتبار الأهلّة، فإنّ صومه يصحّ حتّى ولو كان ثمانيةً وخمسين يوماً‏.‏

ويرى المالكيّة أنّ الفطر بالإكراه بمؤلم من قتل أو ضرب لا يقطع التّتابع، ولا يقطعه أيضاً فطر من ظنّ بقاء اللّيل، أو غروب الشّمس بخلاف الشّكّ في غروب الشّمس فإنّه يقطعه، وكذا لا يقطع التّتابع عندهم فطر من صام تسعةً وخمسين يوماً، ثمّ أصبح مفطراً ظانّاً الكمال‏.‏ ولا يقطع التّتابع عندهم الأكل والشّرب ناسياً على المشهور، ولا يقطعه جماع غير المظاهر منها نهاراً نسياناً، أو ليلاً ولو عمداً‏.‏

وذكر الشّافعيّة‏:‏ أنّ الإكراه على الأكل يبطل التّتابع، بناءً على أنّ الإكراه عليه يبطل الصّوم على القول به، لأنّه سبب نادر‏.‏ هذا هو المذهب في الصّورتين، كما جاء في الرّوضة، وبه قطع الجمهور، وجعلهما ابن كجّ كالمرض، وكذا إذا استنشق فوصل الماء إلى دماغه، ففي انقطاع التّتابع الخلاف، بناءً على القول بأنّه يفطر، وقال النّوويّ‏:‏ لو أوجر الطّعام مكرهاً لم يفطر ولم ينقطع تتابعه، قطع به الأصحاب في كلّ الطّرق‏.‏

وذكر الحنابلة أنّ التّتابع لا يقطع بالفطر بسبب الإكراه أو الخطأ أو النّسيان على الصّحيح من المذهب، لحديث‏:‏ «إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه» لا إن أفطر لجهل فإنّه لا يعذر به، وأمّا الّذي أفطر خطأً كمن ظنّ بقاء اللّيل أو الغروب فبان خلافه فلا ينقطع تتابع صيامه، وأمّا الّذي أفطر على ظنّ تمام الشّهرين فبان خلافه فإنّه ينقطع تتابع صيامه، أو ظنّ أنّ الواجب شهر واحد فأفطر، أو أفطر ناسياً لوجوب التّتابع، أو أفطر لغير عذر انقطع تتابع صيامه لقطعه إيّاه، ولا يعذر بالجهل‏.‏

ب - الحيض والنّفاس‏:‏

10 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحيض لا يقطع التّتابع في الكفّارة الّتي توجب صيام شهرين على المرأة، ككفّارة القتل، لأنّه لا بدّ منه فيهما، ولأنّها لا يد لها فيه، ولأنّه ينافي الصّوم، وفي تأخير التّكفير إلى سنّ اليأس خطر، إلاّ أنّ المتولّي من الشّافعيّة قال‏:‏ إنّ المرأة إذا كانت لها عادة في الطّهر تسع صوم الكفّارة فصامت في غيرها، أي في وقت يحدث فيه الحيض، فإنّه يقطع التّتابع‏.‏

وأمّا تتابع صوم أيّام كفّارة اليمين، فإنّ الحيض يقطعه، بناءً على وجوب التّتابع فيها كما ذكر الحنفيّة، والشّافعيّة على أحد القولين في وجوب تتابعها، لقلّة أيّامها، بخلاف الشّهرين‏.‏ هذا، وذكر النّوويّ في الرّوضة‏:‏ أنّنا إذا أوجبنا التّتابع في كفّارة اليمين فحاضت في أثنائها، ففي انقطاع تتابعها القولان في الفطر بالمرض في الشّهرين، ويشبه أن يكون فيه طريق جازم بانقطاع التّتابع‏.‏

11 - أمّا النّفاس فإنّه يقطع التّتابع في صوم الكفّارة عند الحنفيّة، وعلى مقابل الصّحيح الّذي حكاه أبو الفرج السّرخسيّ من الشّافعيّة لندرته، ولإمكانها اختيار شهرين خاليين منه‏.‏ وذهب المالكيّة والشّافعيّة على الصّحيح، والحنابلة إلى‏:‏ أنّ النّفاس لا يقطع التّتابع، قياساً على الحيض، ولأنّها لا يد لها فيه‏.‏

ت - دخول رمضان والعيدين وأيّام التّشريق‏:‏

12 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ دخول شهر رمضان وعيد الفطر أو عيد الأضحى وأيّام التّشريق يقطع صوم الكفّارة لوجوب صوم رمضان وحرمة صوم الباقي، ولأنّ في استطاعته أن يجد شهرين ليس فيهما ما ذكر، وهذا أيضاً هو ما ذهب إليه الشّافعيّة في صوم غير الأسير‏.‏ وأمّا الأسير إذا صام باجتهاده، فدخل عليه رمضان أو العيد قبل تمام الشّهرين، ففي انقطاع تتابعه الخلاف في انقطاعه بإفطار المريض‏.‏

وأمّا المالكيّة فذكروا‏:‏ أنّ تعمّد فطر يوم العيد يقطع تتابع صوم الكفّارة، كما إذا تعمّد صوم ذي القعدة وذي الحجّة عن كفّارة ظهاره مع علمه بدخول العيد في أثنائه‏.‏ بخلاف ما إذا جهله فإنّه لا يقطع، كما إذا ظنّ أنّ شهر ذي الحجّة هو المحرّم، فصامه مع ما بعده ظانّاً أنّه صفر، فبان خلافه‏.‏

وجهل دخول رمضان عندهم كجهل العيد على الأرجح عند ابن يونس، والمراد بجهل العيد كما في الخرشيّ‏:‏ جهله في كونه يأتي في الكفّارة، لا جهل حكمه، خلافاً لأبي الحسن، حيث ذكر أنّ المراد بالجهل جهل الحكم وهو أظهر‏.‏ ومثل العيد عندهم اليومان بعده‏.‏ وأمّا ثالث أيّام التّشريق فإنّ صومه يجزئ، وفطره يقطع التّتابع اتّفاقاً، كما جاء في الخرشيّ‏.‏ وأمّا الحنابلة فذهبوا إلى أنّ صوم الكفّارة لا يقطع بذلك مطلقاً، لوجوب صوم رمضان بإيجاب الشّرع، ولأنّ فطر العيدين وأيّام التّشريق واجب أيضاً بإيجاب الشّرع، أي إنّ ذلك الزّمن منعه الشّرع من صومه كاللّيل‏.‏

ث - السّفر‏:‏

13 - السّفر عند الحنفيّة والمالكيّة، وقول عند الشّافعيّة‏:‏ يقطع التّتابع إن أفطر فيه، لأنّ الإفطار عندهم بعذر أو بغير عذر يقطعه‏.‏ والقول الآخر للشّافعيّة‏:‏ أنّه كالمرض‏.‏

والسّفر الّذي يباح فيه الفطر لا يقطع التّتابع عند الحنابلة‏.‏

ج – فطر الحامل والمرضع‏:‏

14 - فطر الحامل والمرضع عند الشّافعيّة، كما جاء في الرّوضة خوفاً على الولد‏.‏ قيل‏:‏ هو كالمرض، وقيل‏:‏ يقطع قطعاً، لأنّه فعل اختياريّ‏.‏

وأمّا الحنابلة فيرون أنّ فطر الحامل والمرضع خوفاً على أنفسهما أو ولديهما لا يقطع التّتابع، لأنّه فطر أبيح لعذر عن غير جهتهما، فأشبه المرض‏.‏ وما ذهب إليه الحنفيّة - من أنّ الفطر بعذر أو بغير عذر يقطع التّتابع - والمالكيّة - من القول بقطعه بكلّ فعل اختياريّ، كالسّفر مثلاً - مقتضاه قطع التّتابع بفطرهما خوفاً على أنفسهما أو ولديهما‏.‏

ح - المرض‏:‏

15 - المرض يقطع تتابع صوم الكفّارة عند الحنفيّة، وعند الشّافعيّة في الأظهر، وهو الجديد، لأنّ الحنفيّة لم يفرّقوا بين الفطر بعذر مرض أو غيره في قطع التّتابع، باستثناء المرأة في الحيض، ولأنّ المرض كما ذكر الشّافعيّة لا ينافي الصّوم، وإنّما قطعه باختياره‏.‏ وذهب الشّافعيّة في القديم إلى أنّ المرض لا يقطع تتابع صوم الكفّارة، لأنّه لا يزيد على أصل وجوب صوم رمضان، وهو يسقط بالمرض‏.‏ وهذا أيضاً هو ما ذهب إليه الحنابلة، وإن كان المرض غير مخوف، لأنّه لا يد له فيه كالحيض، ومثله الجنون والإغماء‏.‏

خ - نسيان النّيّة في بعض اللّيالي‏:‏

16 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ نسيان النّيّة في بعض اللّيالي يقطع التّتابع كتركها عمداً، ولا يجعل النّسيان عذراً في ترك المأمور به، وهذا بناءً على وجوب اشتراطها في كلّ ليلة، على مقابل الأصحّ عندهم‏.‏ أمّا لو صام أيّاماً من الشّهرين، ثمّ شكّ بعد فراغه من صوم يوم، هل نوى فيه أم لا‏؟‏ لم يلزمه الاستئناف على الصّحيح كما قال النّوويّ، ولا أثر للشّكّ بعد الفراغ من اليوم، ذكره الرّويانيّ في كتاب الحيض في مسائل المتحيّرة‏.‏

د - الوطء‏:‏

17 - اتّفق الفقهاء على أنّ المظاهر إذا وطئ من ظاهر منها في النّهار عامداً، فإنّ فعله هذا يقطع التّتابع، وأمّا إذا وطئها في اللّيل عامداً أو ناسياً، أو وطئها في النّهار ناسياً، ففيه الخلاف‏.‏ فذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّ المظاهر إذا جامع الّتي ظاهر منها باللّيل عامداً أو بالنّهار ناسياً، فإنّ ذلك يقطع التّتابع، لأنّ الشّرط في الصّوم أن يكون خالياً من المسيس، وقال أبو يوسف‏:‏ إنّ التّتابع لا يقطع بذلك إذ لا يفسد به الصّوم، وهو وإن كان تقديمه على المسيس شرطاً، فإنّ فيما ذهبنا إليه تقديم البعض، وفيما قلتم تأخير الكلّ عنه‏.‏ وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ وطء المظاهر منها يقطع التّتابع مطلقاً، سواء أكان باللّيل أم بالنّهار، وسواء أكان عالماً أو ناسياً أم جاهلاً أم غالطاً، أو بعذر يبيح الفطر كسفر، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَماسَّا‏}‏‏.‏

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ وطأه باللّيل لا يقطع التّتابع، ويعتبر عاصياً‏.‏ هذا، ووطء غير المظاهر منها في النّهار عامداً يقطع التّتابع، كما صرّح به صاحب العناية من الحنفيّة، بخلاف ما لو وطئها باللّيل عامداً، أو ناسياً، أو بالنّهار ناسياً فإنّ ذلك لا يقطع التّتابع، كما صرّح به الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، لأنّ ذلك غير محرّم عليه‏.‏

ومثل ذلك ما لو وطئها بسبب عذر يبيح الفطر كما صرّح به الحنابلة‏.‏

ذ - قضاء ما لم ينقطع به التّتابع‏:‏

18 - قال المالكيّة‏:‏ إنّ تتابع صوم الكفّارة يقطعه تأخير قضاء الأيّام الّتي أفطرها في صيامه، والّتي يجب عليه أن يقضيها متّصلةً بصيامه، فإن أخّر قضاءها انقطع تتابع الصّوم‏.‏ وشبّهوا ذلك بمن نسي شيئاً من فرائض الوضوء أو الغسل، ثمّ تذكّره أثناءه فلم يغسله، أي لم يأت به حين تذكّره فإنّه يبتدئ الطّهارة، نسي ذلك أم تعمّده‏.‏ بخلاف نسيان النّجاسة بعد تذكّرها قبل الصّلاة فإنّه لا يؤثّر لخفّتها‏.‏

ولم نجد لغير المالكيّة تصريحاً في هذه المسألة‏.‏

تترّس

التّعريف

1 - التّترّس في اللّغة‏:‏ التّستّر بالتّرس، والاحتماء به والتّوقّي به‏.‏ وكذلك التّتريس، يقال‏:‏ تترّس بالتّرس، أي توقّى وتستّر به‏.‏ كما في حديث أنس بن مالك قال‏:‏ «كان أبو طلحة يتترّس مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بترس واحد» ويقال أيضاً‏:‏ تترّس بالشّيء جعله كالتّرس وتستّر به، ومنه‏:‏ تترّس الكفّار بأسارى المسلمين وصبيانهم أثناء الحرب‏.‏

ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

التّحصّن‏:‏

2 - من معاني التّحصّن‏:‏ الاحتماء بالحصن، يقال‏:‏ تحصّن العدوّ‏:‏ إذا دخل الحصن واحتمى به، فالتّحصّن نوع من التّستّر والتّوقّي أثناء الحرب‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

3 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز رمي الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين وأساراهم أثناء القتال أو حصارهم من قبل المسلمين، إذا دعت الضّرورة إلى ذلك، بأن كان في الكفّ عن قتالهم انهزام للمسلمين، والخوف على استئصال قاعدة الإسلام‏.‏ ويقصد بالرّمي الكفّار‏.‏

ولكن إذا لم تدع ضرورة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، فلا يجوز رميهم عند الشّافعيّة والحنابلة، وهو قول الحسن بن زياد من الحنفيّة‏.‏

ويجوز عند الحنفيّة - ما عدا الحسن بن زياد - لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالدّفع عن مجتمع الإسلام، إلاّ أنّه على الرّامي ألاّ يقصد بالرّمي إلاّ الكفّار‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّهم يقاتلون، ولا يقصدون المتترّس بهم، إلاّ إذا كان في عدم رمي المتترّس بهم خوف على أكثر الجيش المقاتلين للكفّار، فتسقط حرمة التّرس، سواء أكان عدد المسلمين المتترّس بهم أكثر من المجاهدين أم أقلّ، وكذلك لو تترّسوا بالصّفّ، وكان في ترك قتالهم انهزام للمسلمين‏.‏

وعلى هذا فإن أصيب أحد من المسلمين نتيجة الرّمي وقتل، وعلم القاتل، فلا دية ولا كفّارة عند الحنفيّة، لأنّ الجهاد فرض، والغرامات لا تقرن بالفرائض، خلافاً للحسن بن زياد، فإنّه يقول بوجوب الدّية والكفّارة‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ فيه الكفّارة قولاً واحداً‏.‏ أمّا الدّية ففيها عنهم قولان‏.‏

فعند الشّافعيّة‏:‏ إن علمه الرّامي مسلماً، وكان يمكن توقّيه والرّمي إلى غيره لزمته الدّية، وإن لم يتأتّ رمي الكفّار إلاّ برمي المسلم فلا‏.‏

وكذلك عند الحنابلة‏:‏ تجب الدّية في رواية لأنّه قتل مؤمناً خطأً، وفي رواية أخرى‏:‏ لا دية لأنّه قتل في دار الحرب برمي مباح‏.‏

4 - وإن تترّس الكفّار بذراريّهم ونسائهم فيجوز رميهم مطلقاً عند الحنفيّة، وهو المذهب عند الحنابلة، ويقصد بالرّمي المقاتلين، «لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النّساء والصّبيان»‏.‏ ولا فرق في جواز الرّمي بين ما إذا كانت الحرب ملتحمةً وما إذا كانت غير ملتحمة، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحيّن بالرّمي حال التحام الحرب‏.‏ وذهب المالكيّة والشّافعيّة‏:‏ إلى أنّه لا يجوز رميهم، إلاّ إذا دعت الضّرورة ويتركون عند عدم الضّرورة، ويكون ترك القتال عند عدم الضّرورة واجباً في الأظهر عند الشّافعيّة، لكنّ المعتمد ما جاء في الرّوضة وهو‏:‏ جوازه مع الكراهة‏.‏

وقد فصّل الفقهاء أحكام التّترّس في باب الجهاد‏:‏ عند الحديث عن كيفيّة القتال، وبيان المكروهات والمحرّمات والمندوبات في الغزو‏.‏

تتريب

التّعريف

1 - التّتريب‏:‏ مصدر ترّب، يقال‏:‏ ترّبت الشّيء تتريباً فتترّب، أي لطّخته فتلطّخ بالتّراب‏.‏ وأتربت الشّيء‏:‏ جعلت عليه التّراب، وترّبت الكتاب تتريباً، وترّبت القرطاس فأنا أترّبه، أي أضع عليه التّراب ليمتصّ ما زاد من الحبر‏.‏

وعلى هذا، فتتريب الشّيء لغةً واصطلاحاً‏:‏ جعل التّراب عليه‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - استعمال التّراب في التّطهير من نجاسة الكلب‏:‏

التّراب الطّاهر قد يستعمل في التّطهير، كما إذا ولغ الكلب في إناء، فإنّه كي يطهر هذا الإناء يجب غسله سبعاً إحداهنّ بالتّراب، هذا عند الحنابلة والشّافعيّة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيغسله سبعاً» متّفق عليه، زاد مسلم «أولاهنّ بالتّراب»‏.‏ ولما روى عبد اللّه بن مغفّل أنّه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرّات، وعَفِّروه الثّامنةَ بالتّراب»‏.‏

والمستحبّ أن يجعل التّراب في الغسلة الأولى، لموافقته لفظ الخبر، أو ليأتي الماء عليه بعده فينظّفه‏.‏ ومتى غسل به أجزأه، لأنّه روي في حديث‏:‏ «إحداهنّ بالتّراب» وفي حديث‏:‏ «أولاهنّ» وفي حديث‏:‏ «في الثّامنة» فيدلّ على أنّ محلّ التّراب من الغسلات غير مقصود‏.‏ فإن جعل مكان التّراب غيره من الأشنان والصّابون ونحوهما، أو غسله غسلةً ثامنةً، فالأصحّ أنّه لا يجزئ، لأنّه طهارة أمر فيها بالتّراب تعبّداً، ولذا لم يقم غيره مقامه‏.‏ ولبعض الحنابلة‏:‏ يجوز العدول عن التّراب إلى غيره عند عدم التّراب، أو إفساد المحلّ المغسول به‏.‏ فأمّا مع وجوده وعدم الضّرر فلا‏.‏ وهذا قول ابن حامد‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ يندب غسل الإناء سبعاً بولوغ الكلب فيه، بأن يدخل فمه في الماء ويحرّك لسانه فيه، ولا تتريب مع الغسل بأن يجعل في الأولى، أو الأخيرة، أو إحداهنّ‏.‏ لأنّ التّتريب لم يثبت في كلّ الرّوايات، وإنّما ثبت في بعضها، وذلك البعض الّذي ثبت فيه، وقع فيه اضطراب‏.‏ وللحنفيّة قول بغسله ثلاثاً، لحديث «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً»‏.‏ وقولٌ بغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً‏.‏ لما روى الدّارقطنيّ عن الأعرج عن أبي هريرة «عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الكلب، يلغ في الإناء أنّه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» وورد في حاشية الطّحطاويّ على مراقي الفلاح‏:‏ يندب التّسبيع وكون إحداهنّ بالتّراب‏.‏

تتن

انظر‏:‏ تبغ‏.‏

تثاؤب

التّعريف

1 - التّثاؤب‏:‏ ‏(‏بالمدّ‏)‏‏:‏ فترة تعتري الشّخص فيفتح عندها فمه‏.‏

والمعنى الاصطلاحيّ في هذا لا يخرج عن المعنى اللّغويّ‏.‏

حكمه التّكليفي

2 - صرّح العلماء بكراهة التّثاؤب‏.‏ فمن اعتراه ذلك، فليكظمه، وليردّه قدر الطّاقة‏.‏ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فليردّه ما استطاع» كأن يطبق شفتيه أو نحو ذلك‏.‏ فإذا لم يستطع وضع يده على فمه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا تثاءب أحدكم فلْيُمْسك بيده على فمه، فإنّ الشّيطانَ يَدْخُلُ» ويقوم مقام اليد كلّ ما يستر الفم كخرقة أو ثوب ممّا يحصل به المقصود‏.‏ ثمّ يخفض صوته ولا يعوي، لما رواه ابن ماجه من طريق عبد اللّه بن سعيد المقبريّ عن أبيه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، ولا يعوي، فإنّ الشّيطان يضحك منه» ثمّ يمسك عن التّمطّي والتّلوّي الّذي يصاحب بعض النّاس، لأنّه من الشّيطان‏.‏ وقد روي‏:‏ «أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطّى، لأنّه من الشّيطان»‏.‏

التّثاؤب في الصّلاة

3 - التّثاؤب في الصّلاة مكروه، لخبر مسلم‏:‏ «إذا تثاءب أحدكم في الصّلاة فليكظمه ما استطاع، فإنّ الشّيطان يدخل منه»، وهذا إذا أمكن دفعه، فإذا لم يمكن دفعه فلا كراهة، ويغطّي فمه بيده اليسرى، وقيل‏:‏ بإحدى يديه‏.‏ وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة‏.‏ ولا شيء فيه عند المالكيّة والحنابلة، ويندب كظم التّثاؤب في الصّلاة ما استطاع، فإذا لم يستطع وضع يده على فمه للحديث‏.‏

التّثاؤب في قراءة القرآن

4 - ذكر الفقهاء من آداب قراءة القرآن ألاّ يقرأ القرآن في حال شغل قلبه وعطشه ونعاسه، وأن يغتنم أوقات نشاطه، وإذا تثاءب ينبغي أن يمسك عن القراءة حتّى ينقضي التّثاؤب، ثمّ يقرأ، لئلاّ يتغيّر نظم قراءته، قال مجاهد‏:‏ وهو حسن ويدلّ عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه، فإنّ الشّيطان يدخل»‏.‏

تثبّت

التّعريف

1 - التّثبّت لغةً‏:‏ هو التّأنّي في الأمر والرّأي‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال المراد‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

التّحرّي‏:‏

2 - التّحرّي لغةً‏:‏ القصد والطّلب‏.‏

واصطلاحاً‏:‏ طلب الشّيء بغالب الرّأي عند تعذّر الوقوف على الحقيقة‏.‏

الحكم الإجمالي

للتّثبّت أحكام كثيرة منها‏:‏

أ - التّثبّت من استقبال القبلة في الصّلاة‏:‏

3 - لا خلاف في أنّ من شروط صحّة الصّلاة استقبال القبلة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فولِّ وجهَك شطرَ المسجد الحرام وحيثما كنتم فوَلُّوا وجوهَكم شطرَه‏}‏ ‏(‏أي جهته‏)‏ ويستثنى من ذلك أحوال لا يشترط فيها الاستقبال، كصلاة الخوف، والمصلوب، والغريق، ونفل السّفر المباح وغيرها‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ استقبال القبلة‏)‏‏.‏

ب - التّثبّت في شهادة الشّهود‏:‏

4 - ينبغي للقاضي أن يتثبّت في شهادة الشّهود، وذلك بالسّؤال عنهم سرّاً أو علانيةً، وهذا إذا لم يعلم بعدالتهم، لأنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ تزكية‏)‏‏.‏

ج - التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان‏:‏

5 - يستحبّ التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان لتحديد بدئه، ويكون ذلك بأحد أمرين‏:‏

الأوّل‏:‏ رؤية هلاله، إذا كانت السّماء خاليةً ممّا يمنع الرّؤية من غيم أو غبار ونحوهما‏.‏ الثّاني‏:‏ إكمال شعبان ثلاثين يوماً، إذا كانت السّماء غير خالية ممّا ذكر، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدّةَ شعبان ثلاثين» وبهذا أخذ الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة، وهي رواية عن أحمد‏.‏

وخالف الحنابلة في حال الغيم، فأوجبوا اعتبار شعبان تسعةً وعشرين، وأوجبوا صيام يوم الثّلاثين على أنّه من أوّل رمضان، عملاً بلفظ آخر ورد في حديث آخر وهو‏:‏ «لا تصوموا حتّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له»

أي‏:‏ احتاطوا له بالصّوم‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ أهلّة‏)‏‏.‏

د - التّثبّت من كلام الفسّاق‏:‏

6 - يجب التّثبّت ممّا يأتي به الفسّاق من أنباء، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أنْ تصيبوا قوماً بِجَهالة فَتُصبحوا على ما فعلتم نادمين‏}‏ وقد قرئ ‏{‏فتثبّتوا‏}‏ بدلاً من‏{‏تبيّنوا‏}‏ والمراد بالتّبيّن‏:‏ التّثبّت، قيل‏:‏ إنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة‏:‏ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلمّا أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام، فبعث نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يعجل‏.‏ فانطلق خالد حتّى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه فلمّا جاءوا أخبروا خالداً أنّهم متمسّكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلمّا أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحّة ما ذكر عيونه، فعاد إلى نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت الآية»، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «التّأنّي من اللّه، والعجلة من الشّيطان»‏.‏

تثليث

التّعريف

1 - التّثليث‏:‏ مصدر ثلّث، ويختلف معناه في اللّغة باختلاف مواضع استعماله، يقال‏:‏ ثلّث الشّيء‏:‏ جزّأه وقسّمه ثلاثة أقسام، وثلّث الزّرع‏:‏ سقاه الثّالثة، وثلّث الشّراب‏:‏ طبخه حتّى ذهب ثلثه أو ثلثاه، وثلّث الاثنين‏:‏ صيّرهما ثلاثةً بنفسه‏.‏ أمّا في اصطلاح الفقهاء‏:‏ فيطلقونه على تكرار الأمر ثلاث مرّات، وعلى العصير الّذي ذهب بالطّبخ ثلثه أو ثلثاه‏.‏

الحكم الإجمالي

يختلف حكم التّثليث باختلاف مواطنه على النّحو التّالي‏:‏

أ - التّثليث في الوضوء‏:‏

2 - يسنّ التّثليث في الوضوء عند الأئمّة الثّلاثة، وهو رواية عن المالكيّة، وذلك بتكرار غسل الوجه واليدين والرّجلين إلى ثلاث مرّات مستوعبات‏.‏ وهو مستحبّ في المشهور من مذهب المالكيّة‏.‏ وقيل‏:‏ الغسلة الثّانية سنّة، والثّالثة فضيلة، وقيل‏:‏ العكس‏.‏ أمّا الرّجلان ففي تثليث غسلهما في الوضوء عند المالكيّة قولان مشهوران‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّ الرّجلين كالوجه واليدين، فتغسل كلّ واحدة ثلاثاً وهو المعتمد‏.‏

والقول الثّاني‏:‏ أنّ فرض الرّجلين في الوضوء الإنقاء من غير تحديد‏.‏

ولا يسنّ التّثليث في مسح الرّأس عند الحنفيّة، وفي الصّحيح من مذهب الحنابلة، وأمّا عند المالكيّة فقيل‏:‏ ردّ اليدين ثالثةً في مسح الرّأس لا فضيلة فيه، وذهب أكثر علمائهم إلى أنّ ردّ اليدين ثالثةً فضيلة إذا كان في اليدين بلل، ولا يستأنف الماء للثّانية ولا للثّالثة‏.‏

وذهب الشّافعيّة، والحنابلة في رواية إلى أنّ التّثليث يسنّ في مسح الرّأس، بل يسنّ التّثليث عند الشّافعيّة في المسح على الجبيرة، والعمامة، وفي السّواك، والتّسمية، وكذا في باقي السّنن إلاّ في المسح على الخفّ، وكذا تثليث النّيّة في قول لبعض الشّافعيّة‏.‏ وذهب ابن سيرين إلى مسح الرّأس مرّتين‏.‏

والأصل فيما ذكر، ما رواه ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال‏:‏ «توضّأ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّةً مرّةً» أخرجه البخاريّ‏.‏ وروى عثمان رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم «توضّأ ثلاثاً ثلاثاً»‏.‏

ثمّ الزّيادة على الثّلاث المستوعبة مع اعتقاد سنّيّة الثّلاث لا بأس بها عند الحنفيّة في رواية‏.‏ والصّحيح عند الأئمّة الثّلاثة، وهو رواية عن الحنفيّة‏:‏ أنّها تكره‏.‏

ب - التّثليث في الغسل‏:‏

3 - يسنّ التّثليث في الغسل عند الأئمّة الثّلاثة كالوضوء، فيغسل رأسه ثلاثاً، ثمّ شقّه الأيمن ثلاثاً، ثمّ شقّه الأيسر ثلاثاً‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّ التّثليث مستحبّ في الغسل، وإن لم تكف الثّلاث زاد إلى الكفاية‏.‏ والأصل في هذا الباب، ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضّأ وضوءه للصّلاة، ثمّ يخلّل شعره بيده، حتّى إذا ظنّ أنّه قد روى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرّات، ثمّ غسل سائر جسده»‏.‏

ج - التّثليث في غسل الميّت‏:‏

4 - يستحبّ التّثليث في غسل الميّت عند الأئمّة الثّلاثة، ويسنّ عند الحنفيّة، واتّفقوا على جواز الزّيادة عليه، لأنّ المقصود في غسل الميّت النّظافة والإنقاء، فإن لم يحصل التّنظيف بالغسلات الثّلاث زيد عليها حتّى يحصل، مع جعل الغسلات وتراً‏.‏

والأصل فيما ذكر، خبر الشّيخين‏:‏ «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لغاسلات ابنته زينب رضي الله تعالى عنها‏:‏ ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها، واغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور»‏.‏ وكذا يستحبّ التّثليث، وتجوز الزّيادة عليه عند جمهور الفقهاء في تجمير الميّت وكفن الميّت، والميّت عند موته، وسريره الّذي يوضع فيه‏.‏

والأصل فيما ذكر، ما روي عنه عليه الصلاة والسلام «إذا أجمرتم الميّت فأجمروه ثلاثاً»‏.‏ وفي لفظ «فأوتروا»‏.‏ وفي لفظ البيهقيّ‏:‏ «جمِّروا كفن الميّت ثلاثاً»‏.‏

د - التّثليث في الاستجمار والاستبراء‏:‏

5 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الواجب في الاستجمار الإنقاء دون العدد‏.‏ ومعنى الإنقاء هنا هو إزالة عين النّجاسة وبلّتها، بحيث يخرج الحجر نقيّاً، وليس عليه أثر إلاّ شيئاً يسيراً‏.‏ وأمّا التّثليث فمستحبّ عندهم وإن حصل الإنقاء باثنين، بينما يشترط الشّافعيّة والحنابلة في الاستجمار أمرين‏:‏ الإنقاء وإكمال الثّلاثة، أيّهما وجد دون صاحبه لم يكف، والحجر الكبير الّذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار‏.‏

كذلك قال جمهور الفقهاء‏:‏ بأنّه يستحبّ نتر الذّكر ثلاثاً بعد البول لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً»‏.‏

وتفصيل أحكام الاستجمار والاستبراء في مصطلحي ‏(‏استنجاء‏)‏ و‏(‏استبراء‏)‏‏.‏

هذا، ويستحبّ التّثليث عند جمهور الحنفيّة في غسل النّجاسات غير المرئيّة، وكذلك إزالة النّجاسات المرئيّة عند بعض الحنفيّة، وهو رواية عن الحنابلة‏.‏

وأمّا المالكيّة والشّافعيّة، والحنابلة في رواية فلا يشترطون العدد فيما سوى نجاسة ولوغ الكلب‏.‏ ونجاسة الخنزير كنجاسة الكلب في ذلك عند الشّافعيّة والحنابلة‏.‏

هـ – التّثليث في تسبيحات الرّكوع والسّجود‏:‏

6 – يسنّ التّثليث عند الأئمّة الثّلاثة في تسبيح الرّكوع، وهو ‏"‏ سبحان ربّي العظيم ‏"‏‏.‏ وتسبيح السّجود، وهو ‏"‏ سبحان ربّي الأعلى ‏"‏‏.‏ وتستحبّ عندهم الزّيادة على الثّلاث بعد أن يختم على وتر، خمس، أو سبع، أو تسع عند الحنفيّة والحنابلة، أو إحدى عشرة عند الشّافعيّة‏.‏ هذا إذا كان منفرداً، وأمّا الإمام فلا ينبغي له أن يطوّل على وجه يملّ القوم، وعند الشّافعيّة تكره للإمام الزّيادة على الثّلاث‏.‏

والأصل في هذا ما رواه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه‏:‏ سبحان ربّي العظيم ثلاثاً فقد تمّ ركوعه، وذلك أدناه‏.‏ ومن قال في سجوده‏:‏ سبحان ربّي الأعلى ثلاثاً فقد تمّ سجوده، وذلك أدناه»‏.‏ وأمّا عند المالكيّة فيندب التّسبيح في الرّكوع والسّجود بأيّ لفظ كان، ولم يحدّوا فيه حدّاً، ولا دعاءً مخصوصاً‏.‏

و - التّثليث في الاستئذان‏:‏

7 - إذا استأذن شخص على آخر وظنّ أنّه لم يسمع، فاتّفق الفقهاء على جواز التّثليث، ويسنّ عدم الزّيادة على الثّلاث عند الأئمّة الثّلاثة‏.‏

وقال الإمام مالك‏:‏ له الزّيادة على الثّلاث حتّى يتحقّق من سماعه‏.‏

وأمّا إذا استأذن فتحقّق أنّه لم يسمع، فاتّفقوا على جواز الزّيادة على الثّلاث وتكرير الاستئذان حتّى يتحقّق إسماعه‏.‏

تثنية

التّعريف

1 - التّثنية في اللّغة مصدر‏:‏ ثنّى، يقال‏:‏ ثنّيت الشّيء‏:‏ إذا جعلته اثنين، ويأتي أيضاً بمعنى الضّمّ، فإذا فعل الرّجل أمراً ثمّ ضمّ إليه آخر قيل‏:‏ ثنّى بالأمر الثّاني‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ للفظ تثنية عمّا ورد في اللّغة‏.‏

مواطن البحث

2 - وردت التّثنية في الأذان، والإقامة، وفي صلاة النّفل، ومنها الرّواتب مع الفرائض، وفي صلاة اللّيل، لخبر‏:‏ «صلاة اللّيل مثنى مثنى»‏.‏ وفي العقيقة للذّكر، والشّهادة في أغلب الأمور كالنّكاح، والطّلاق، والإسلام، والموت، وتفصيل كلّ في موطنه‏.‏

تثويب

التّعريف

1 - التّثويب‏:‏ مصدر ثوّب يثوب، وثلاثيّه ثاب يثوب، بمعنى‏:‏ رجع، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذْ جعلْنا البيتَ مَثابةً للنّاس وأَمْناً‏}‏ أي مكاناً يرجعون إليه‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ ثاب إلى فلان عقله‏:‏ أي رجع‏.‏ ومنه أيضاً‏:‏ الثّواب، لأنّ منفعة عمل الشّخص تعود إليه‏.‏

والتّثويب‏:‏ بمعنى ترجيع الصّوت وترديده، ومنه التّثويب في الأذان‏.‏

والتّثويب في الاصطلاح‏:‏ العود إلى الإعلام بالصّلاة بعد الإعلام الأوّل بنحو‏:‏ ‏"‏ الصّلاة خير من النّوم ‏"‏ أو ‏"‏ الصّلاة الصّلاة ‏"‏ أو ‏"‏ الصّلاة حاضرة ‏"‏ أو نحو ذلك بأيّ لسان كان، وقد كانت تسمّى تثويباً في العهد النّبويّ وعهد الصّحابة‏.‏ لأنّ فيه تكريراً لمعنى الحيعلتين، أو لأنّه لمّا حثّ على الصّلاة بقوله‏:‏ حيّ على الصّلاة، ثمّ قال‏:‏ حيّ على الفلاح، عاد إلى الحثّ على الصّلاة بقوله‏:‏ ‏"‏ الصّلاة خير من النّوم ‏"‏‏.‏

وللتّثويب عند الفقهاء ثلاثة إطلاقات‏:‏

أ - التّثويب القديم، أو التّثويب الأوّل، وهو‏:‏ زيادة ‏"‏ الصّلاة خير من النّوم ‏"‏ في أذان الفجر‏.‏

ب - التّثويب المحدث وهو‏:‏ زيادة حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، أو عبارة أخرى‏.‏ حسب ما تعارفه أهل كلّ بلدة بين الأذان والإقامة‏.‏

ج - ما كان يختصّ به بعض من يقوم بأمور المسلمين ومصالحهم من تكليف شخص بإعلامهم بوقت الصّلاة، فذلك الإعلام أو النّداء يطلق عليه أيضاً ‏(‏تثويب‏)‏‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - النّداء‏:‏

2 - النّداء بمعنى‏:‏ الدّعاء ورفع الصّوت بما له معنًى‏.‏

ب - الدّعاء‏:‏

3 - الدّعاء بمعنى‏:‏ الطّلب، ويكون برفع الصّوت وخفضه، كما يقال‏:‏ دعوته من بعيد، ودعوت اللّه في نفسي‏.‏ فهو أعمّ من النّداء والتّثويب‏.‏

ج - التّرجيع‏:‏

4 - يقال‏:‏ رجّع في أذانه إذا أتى بالشّهادتين مرّةً خفضاً ومرّةً رفعاً، فالتّثويب والتّرجيع يتّفقان في العود والتّكرير، ولكنّهما يختلفان في أنّ محلّ التّثويب وهو قول المؤذّن‏:‏ ‏"‏ الصّلاة خير من النّوم ‏"‏ في أذان الفجر عند أكثر الفقهاء، أمّا التّرجيع بمعنى تكرار الشّهادتين فذلك في الأذان لجميع الصّلوات عند من يقول به‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

5 - يختلف الحكم الإجماليّ للتّثويب باختلاف إطلاقاته وباختلاف أوقات الصّلاة‏.‏

أمّا التّثويب في القديم، أو التّثويب الأوّل، وهو زيادة عبارة‏:‏ ‏"‏ الصّلاة خير من النّوم ‏"‏ مرّتين بعد الحيعلتين في أذان الفجر أو بعده ‏(‏على الأصحّ عند بعض الحنفيّة‏)‏ فسنّة عند جميع الفقهاء، وجائزة في العشاء عند بعض الحنفيّة وبعض الشّافعيّة‏.‏

وأجازه بعض الشّافعيّة في جميع الأوقات‏.‏

أمّا عند المالكيّة والحنابلة فمكروه في غير الفجر، وهو المذهب عند الحنفيّة والشّافعيّة‏.‏

التّثويب في أذان الفجر‏:‏

6 - من المقرّر عند الفقهاء - عدا أبي حنيفة ومحمّد بن الحسن - أنّ المشروع للفجر أذانان‏:‏ أحدهما قبل وقتها والثّاني عند وقتها‏.‏ وقد قال النّوويّ‏:‏ ظاهر إطلاق الأصحاب أنّه يشرع في كلّ أذان للصّبح سواء ما قبل الفجر وبعده‏.‏ وقال البغويّ في التّهذيب‏:‏ إن ثوّب في الأذان الأوّل لم يثوّب في الثّاني في أصحّ الوجهين‏.‏ ومن مراجعة كتب بقيّة الفقهاء القائلين بمشروعيّة أذانين للفجر تبيّن أنّهم لم يصرّحوا بأنّ التّثويب يشرع في الأذان الأوّل أو الثّاني أو في كليهما، فالظّاهر أنّه يكون في الأذانين كما استظهر النّوويّ‏.‏

7- وأمّا التّثويب المحدث وهو الّذي استحدثه علماء الكوفة من الحنفيّة، وهو زيادة عبارة ‏"‏ حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح مرّتين ‏"‏ بين الأذان والإقامة في الفجر أو زيادة عبارة بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلدة بالتّنحنح أو ‏"‏ الصّلاة الصّلاة ‏"‏ أو ‏"‏ قامت، قامت ‏"‏ أو غير ذلك فمستحسن عند متقدّمي الحنفيّة في الفجر فقط، إلاّ أنّ المتأخّرين منهم استحسنوه في الصّلوات كلّها‏.‏ وأمّا تخصيص من يقوم بأمور المسلمين ومصالحهم كالإمام ونحوه بتكليف شخص ليقوم بإعلامه بوقت الصّلاة فجائز عند أبي يوسف من الحنفيّة، وهو قول للشّافعيّة وبعض المالكيّة، وكذلك عند الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان وكرهه محمّد بن الحسن وبعض المالكيّة‏.‏

تجارة

التّعريف

1 - التّجارة في اللّغة والاصطلاح‏:‏ هي تقليب المال، أي بالبيع والشّراء لغرض الرّبح‏.‏ وهي في الأصل‏:‏ مصدر دالّ على المهنة، وفعله تجر يتجر تجراً وتجارةً‏.‏

دليل مشروعيّة التّجارة

2 - الأصل في التّجارة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالَكم بينكم بالباطلِ إلاّ أن تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قُضيتِ الصّلاةُ فانتشروا في الأرضِ وابْتَغُوا من فضلِ اللّهِ‏}‏‏.‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «التّاجرُ الأمينُ الصّدوقُ مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء»‏.‏

3 - وأجمع المسلمون على جواز التّجارة في الجملة، وتقتضيه الحكمة، لأنّ النّاس يحتاج بعضهم إلى ما في أيدي بعض، وهذه سنّة الحياة، وتشريع التّجارة وتجويزها هو الطّريق إلى وصول كلّ واحد منهم إلى غرضه، ودفع حاجته‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - البيع‏:‏

4 - البيع‏:‏ مبادلة مال بمال تمليكاً وتملّكاً‏.‏ أمّا التّجارة فهي‏:‏ عبارة عن شراء الشّخص شيئاً ليبيعه بالرّبح‏.‏ فالفرق بينهما قصد الاسترباح في التّجارة، سواء تحقّق أم لا‏.‏

ب - السّمسرة‏:‏

5 - السّمسرة لغةً‏:‏ هي التّجارة، قال الخطّابيّ‏:‏ السّمسار لفظ أعجميّ، وكان كثير ممّن يعالج البيع والشّراء فيهم عجماً، فتلقّوا هذا الاسم عنهم، «فغيّره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى التّجارة الّتي هي من الأسماء العربيّة»‏.‏

والسّمسرة اصطلاحاً‏:‏ هي التّوسّط بين البائع والمشتري، والسّمسار هو‏:‏ الّذي يدخل بين البائع والمشتري متوسّطاً لإمضاء البيع، وهو المسمّى الدّلّال، لأنّه يدلّ المشتري على السّلع، ويدلّ البائع على الأثمان‏.‏

الحكم التّكليفي

6 - التّجارة من المهن المعيشيّة، الّتي يمارسها الإنسان بغرض الكسب، وهو كسب مشروع لأنّه يسدّ حاجات المجتمع فتدخل أصالةً في دائرة الإباحة، وقد تطرأ عليها سائر الأحكام التّكليفيّة‏:‏ كالوجوب، والحرمة، والكراهة إلخ‏.‏ حسب الظّروف والملابسات الّتي تصادفها‏.‏ ويعني الفقهاء بالأحكام المتّصلة بالتّجارة ‏(‏بالإضافة إلى كتب الفقه الأساسيّة‏)‏ بما يوردونه في كتب الحسبة، وكتب الآداب الشّرعيّة وكتب الفتاوى، وخصّها بعضهم بالتّأليف كالسّرخسيّ في كتابه ‏"‏ الاكتساب في الرّزق المستطاب ‏"‏ وأبو بكر الخلّال في ‏"‏ كتاب التّجارة ‏"‏‏.‏ وقد استحدثت أوضاع وتنظيمات تجاريّة يعرف حكمها ممّا وضعه الفقهاء من قواعد عامّة وما تعرّضوا إليه من أحكام‏.‏

كما يتناول الفقهاء بعض أحكام خاصّة بمال التّجارة في باب زكاة العروض، كوجوب الزّكاة فيما لا تجب فيه زكاة لو لم يكن للتّجارة، كالبزّ والعقارات، وتغيّر النّوع المخرج وقدره فيما كان زكويّاً من المال في الأصل إذا صار للتّجارة، كالنّعم والمعشّرات‏.‏ وترد بعض أحكام للتّجارة في المضاربة والشّركات الأخرى‏.‏

فضل التّجارة

7 - التّجارة من أفضل طرق الكسب، وأشرفها إذا توقّى التّاجر طرق الكسب الحرام والتزم بآدابها‏.‏ جاء في الأثر‏:‏ «سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيّ الكسب أطيب‏؟‏ فقال‏:‏ عمل الرّجل بيده وكلّ بيع مبرور» قال الشّرقاويّ في حاشيته‏:‏ قوله‏:‏ «وكلّ بيع مبرور» إشارةً إلى التّجارة‏.‏

المحظورات في التّجارة

8 - يحرم في التّجارة جميع أنواع الغشّ والخداع، وترويج السّلعة باليمين الكاذبة‏.‏ فعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ «خرجت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المصلّى، فرأى النّاس يتبايعون فقال‏:‏ يا معشر التّجّار فاستجابوا لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال‏:‏ إنّ التّجّار يبعثون يوم القيامة فجّاراً، إلاّ من اتّقى اللّه وبرّ وصَدَقَ»‏.‏

وعن أبي ذرّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم، قلت‏:‏ من هم يا رسول اللّه‏؟‏ فقد خسروا وخابوا‏:‏ قال‏:‏ المنّان، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»‏.‏

9- ومن المحظورات تلقّي الجلب‏:‏ وهو أن يستقبل الحضريّ البدويّ، قبل وصوله إلى السّوق ليشتري منه سلعته بأقلّ من الثّمن، والتّفصيل في مصطلح ‏(‏تلقّي الرّكبان‏)‏‏.‏

10 - ومنها الاحتكار‏:‏ لحديث‏:‏ «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون»‏.‏ وحديث‏:‏ «لا يحتكر إلاّ خاطئ» وللتّفصيل ينظر مصطلح ‏(‏احتكار‏)‏‏.‏

11 - ومنها‏:‏ سَوْم المرء على سوم أخيه‏:‏ وهو أن يتفاوض المتبايعان في ثمن السّلعة، ويتقارب الانعقاد، فيجيء آخر يريد أن يشتري تلك السّلعة ويخرجها من يد الأوّل بزيادة على ذلك الثّمن‏.‏

12 - ومنها‏:‏ المتاجرة مع العدوّ بما فيه تقويتهم على حربنا كالسّلاح والحديد، ولو بعد صلح، لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك‏.‏ ويجوز المتاجرة معهم بغير ذلك، إذا لم يكن المسلمون في حاجة إليه‏.‏

آداب التّجارة

13 - من آداب التّجارة‏:‏ السّماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة والتّضييق على النّاس بالمطالبة‏.‏

والآثار الواردة في ذلك كثيرة، منها حديث جابر بن عبد اللّه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «رحم اللّه رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «غفر اللّه لرجل كان قبلكم سَهْلاً إذا باع، سَهْلاً إذا اشترى، سَهْلاً إذا اقتضى»‏.‏

14 - ومن آدابها‏:‏ ترك الشّبهات كالاتّجار في سوق يختلط الحرام فيه بالحلال، وكالتّعامل مع من أكثر ماله حرام، لحديث‏:‏ «الحلال بَيّنٌ، والحرام بيّن، وبَيْنَ ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من النّاس‏:‏ أمن الحلال هي أم من الحرام‏؟‏، فمن تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه»‏.‏

15 - ومنها‏:‏ تحرّي الصّدق والأمانة‏.‏ جاء في الأثر «التّاجر الأمين الصّدوق مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء»‏.‏

16 - ومنها‏:‏ التّصدّق من مال التّجارة لحديث‏:‏ «إنّ الشّيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصّدقة، فإنّها تطفئ غضب الرّبّ»‏.‏

17 - ومنها‏:‏ التّبكير بالتّجارة‏.‏ روى صخر الغامديّ قال‏:‏ «قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اللّهمّ بارك لأمّتي في بكورها» وقيل‏:‏ إنّ صخراً كان رجلاً تاجراً، وكان إذا بعث تجّاره بعثهم أوّل النّهار، فأثرى وكثر ماله‏.‏

وجوب الزّكاة في مال التّجارة

18 - تجب الزّكاة في مال التّجارة‏.‏ ومال التّجارة‏:‏ كلّ ما قصد الاتّجار به عند اكتساب الملك بمعاوضة إذا حال عليه الحول، وبه قال فقهاء المدينة السّبعة، والحسن وجابر بن ميمون وطاوس والثّوريّ والنّخعيّ، والأوزاعيّ وأبو عبيد وإسحاق، وأصحاب الرّأي، والشّافعيّ في القول الجديد‏.‏

وفصّل المالكيّة بين التّاجر المدير ‏(‏وهو من يبيع بالسّعر الواقع ويخلف بغيره، كأرباب الحوانيت‏)‏ فإنّه يزكّي كلّ حول، وبين التّاجر المحتكر وهو من يرصد بعرض التّجارة السّوق لترتفع الأثمان‏.‏ فهذا لا زكاة على تجارته إلاّ بالتّنضيض ‏(‏تحوّل السّلعة إلى نقد‏)‏ ولو بقيت عنده سنين‏.‏

واستدلّ الجمهور بحديث‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ يأمرنا أن نخرج الصّدقة ممّا نعدّه للبيع»‏.‏ وخبر‏:‏ «وفي البزّ صدقة»‏.‏ ولا خلاف في أنّها لا تجب في عينه، فثبت أنّها تجب في قيمته، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحول والنّصاب معتبران في وجوب زكاة التّجارة‏.‏ وانظر للتّفصيل مصطلح‏:‏ ‏(‏زكاة‏)‏ زكاة عروض التّجارة‏.‏

تجديد

التّعريف

1- التّجديد في اللّغة مصدر‏:‏ جدّد، والجديد‏:‏ خلاف القديم‏.‏ ومنه‏:‏ جدّد وضوءه، أو عهده أو ثوبه‏:‏ أي صيّره جديداً‏.‏ والاصطلاح الشّرعيّ لا يخرج عن هذا المعنى‏.‏

الحكم التّكليفي

2- يختلف حكم التّجديد باختلاف موضعه‏:‏ فتجديد الوضوء سنّة عند جمهور الفقهاء، أو مستحبّ على اختلاف اصطلاحاتهم‏.‏ وعن أحمد روايتان‏:‏ أصحّهما توافق الجمهور، والأخرى أنّه لا فضل فيه‏.‏

واشترط الشّافعيّة للاستحباب‏:‏ أن يصلّي بالأوّل صلاةً ولو ركعتين، فإن لم يصلّ به صلاةً فلا يسنّ التّجديد، فإن خالف وفعل لم يصحّ وضوءه، لأنّه غير مطلوب‏.‏

ويشترط الأحناف أن يفصل بين الوضوءين بمجلس أو صلاة، فإن لم يفصل بذلك كره، ونقل عن بعضهم مشروعيّة التّجديد، وإن لم يفصل بصلاة أو مجلس‏.‏

واشترط المالكيّة لاستحباب التّجديد أن يفعل بالأوّل عبادةً‏:‏ كالطّواف أو الصّلاة، ودليل مشروعيّته حديث‏:‏ «من توضّأ على طهر كتب له عشر حسنات» وقد كان الخلفاء يتوضّئون لكلّ صلاة، وكان عليّ رضي الله عنه يفعله ويتلو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة فاغْسِلُوا وجوهَكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ولأنّه كان يجب الوضوء في أوّل الإسلام لكلّ صلاة فنسخ وجوبه، وبقي أصل الطّلب ر‏:‏ مصطلح ‏(‏وضوء‏)‏‏.‏

تجديد الماء لمسح الأذنين

3 - ذهب الشّافعيّ إلى أنّ تجديد الماء لمسح الأذنين سنّة، ولا تحصل السّنّة إلاّ به، وهو الصّحيح عند كلّ من الحنابلة والمالكيّة‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ السّنّة هي‏:‏ مسحهما بماء الرّأس في المشهور من المذهب‏.‏

تجديد العصابة والحشو للاستحاضة‏:‏

4 - ذهب الشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّه يجب على المستحاضة تجديد العصابة والحشو عند كلّ صلاة، قياساً على الوضوء، وقيل‏:‏ لا تجب عليها، لأنّه لا معنى لإزالة النّجاسة مع استمرارها، وهذا إذا لم يظهر الدّم على جوانب العصابة، ولم تزل العصابة عن محلّها‏.‏ أمّا إذا ظهر الدّم على جوانب العصابة أو زالت عن محلّها، فإنّه يجب التّجديد قولاً واحداً عندهم‏.‏

وعند الحنابلة‏:‏ لا يلزمها إعادة شدّ العصابة وغسل الدّم لكلّ صلاة، إذا لم تفرّط في الشّدّ‏.‏ وصرّح بعض فقهاء الحنفيّة باستحباب الحشو أو العصابة في المستحاضة وغيرها من أصحاب الأعذار تقليلاً للنّجاسة، ولم ينصّوا على مسألة التّجديد، ومقتضاه عدم وجوبه لعدم وجوب أصل العصابة‏.‏ ولم نجد للمالكيّة تصريحاً بهذه المسألة‏.‏

تجديد نكاح المرتدّة

5 - ذهب الجمهور إلى أنّ المرأة إذا ارتدّت، ولم ترجع إلى الإسلام بعد الاستتابة تقتل، وقال الحنفيّة‏:‏ لا تقتل، بل تحبس إلى أن تموت‏.‏

وذهب بعض فقهاء الحنفيّة إلى أنّه إذا ارتدّت المرأة المتزوّجة، تجبر على الإسلام وتجديد النّكاح مع زوجها، ولو بغير رضاها، إذا رغب زوجها في ذلك‏.‏ ولا يجوز لها إذا رجعت إلى الإسلام أن تتزوّج غيره، ولكلّ قاض أن يجدّد النّكاح بمهر يسير‏.‏ والتّفصيل في مصطلح ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

وإذا ارتدّ أحد الزّوجين عن الإسلام بعد الدّخول انفسخ النّكاح من حين الرّدّة عند الحنفيّة والمالكيّة، فإن عاد المرتدّ منهما إلى الإسلام، وكانت العدّة قائمةً وجب تجديد العقد‏.‏ وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ النّكاح موقوف إلى انقضاء العدّة، فإن عاد المرتدّ منهما إلى الإسلام، وهي في العدّة فهما على النّكاح الأوّل‏.‏ وإن لم يعد انفسخ النّكاح من حين الرّدّة، وتبدأ العدّة منذ الرّدّة‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

تجرّد

انظر‏:‏ عورة‏.‏

تجربة

التّعريف

1- التّجربة‏:‏ مصدر جرّبت، ومعناه‏:‏ الاختبار‏.‏ يقال‏:‏ جرّبت الشّيء تجريباً وتجربةً، أي‏:‏ اختبرته مرّةً بعد أخرى‏.‏ ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - أثر المرض في إباحة الفطر عند خوف زيادته بالتّجربة‏:‏

يجوز الفطر لمريض خاف زيادة مرضه بالتّجربة، ولو كانت من غير المريض عند اتّحاد المرض‏.‏ أمّا حكم الصّحيح الّذي يخاف المرض لو صام، وضابط المرض المبيح للفطر، فينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏صوم‏)‏‏.‏

تجربة المبيع في مدّة الخيار

3 - يجوز تجربة المبيع في مدّة الخيار، وهي تختلف باختلاف السّلعة، وإليك بعض أنواعها‏:‏

أ - تجربة الثّوب‏:‏

4 - يجوز تجربة الثّوب في مدّة الخيار لمعرفة طوله وعرضه، ولا يعتبر ذلك إجازةً عند جمهور الفقهاء، إلاّ أنّ الحنفيّة صرّحوا بأنّ المشتري إذا لبس الثّوب مرّةً، ثمّ لبسه ثانياً لمعرفة الطّول والعرض يسقط خياره، لأنّه لا حاجة إلى تكرار اللّبس في الثّوب، لحصول المقصود باللّبس مرّةً واحدةً‏.‏

وأمّا عند المالكيّة‏:‏ فتجري في لبس الثّوب في مدّة الخيار ستّ عشرة صورةً، حاصلها جواز لبس الثّوب بغية التّجربة والاختيار في بعض تلك الصّور بشروط ذكروها‏.‏

ولتفصيل الموضوع يرجع إلى مصطلح ‏(‏خيار الشّرط‏)‏‏.‏

ب - تجربة الدّار‏:‏

5 - إذا كان المبيع داراً فسكنها المشتري في مدّة الخيار، أو أسكنها غيره، بأجر أو بغير أجر، يسقط خياره، لأنّه دليل اختيار الملك أو تقريره، فكان إجازة دلالة عند الحنفيّة‏.‏ وصرّح المالكيّة بأنّه يجوز للمشتري في مدّة الخيار أن يسكن الدّار المشتراة تيسيراً لتجربتها واختبارها، حسب تفصيل يأتي في مصطلح ‏(‏خيار الشّرط‏)‏‏.‏

ويؤخذ ممّا أورده الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّ للمشتري بالخيار التّصرّف بما تحصل به تجربة المبيع، فله تجربة الثّوب أو الدّار ولا يعتبر بذلك إجازةً‏.‏

ج - تجربة الدّابّة‏:‏

6 - يرى الفقهاء جواز تجربة الدّابّة في مدّة الخيار للنّظر في سيرها وقوّتها، على خلاف وتفصيل في كيفيّة التّجربة والمدّة الّتي يمكن تجريب الدّابّة فيها يرجع إليه في موطنه، وفي مصطلح ‏(‏خيار الشّرط‏)‏‏.‏

تجربة الصّبيّ لمعرفة رشده

7 - يجرّب الصّبيّ لمعرفة رشده، ويكون ذلك بتفويضه في التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله‏.‏ فإن كان من أولاد التّجّار فوّض إليه البيع والشّراء، فإذا تكرّر منه فلم يغبن، ولم يضيّع ما في يديه، فهو رشيد‏.‏

ويجرّب ولد الزّارع بالزّراعة والنّفقة على القائمين بمصالح الزّرع من حرث وحصد وحفظ، كما يجرّب ولد المحترف بما يتعلّق بحرفة أبيه وأقاربه‏.‏

ويرى أبو حنيفة وزفر والنّخعيّ عدم تجربة الشّخص الّذي بلغ غير رشيد، إذا أكمل الخامسة والعشرين من عمره، فيجب عندهم إعطاؤه ماله ولو لم يصر رشيداً، لأنّ منعه من ماله هو للتّأديب، فإذا لم يتأدّب - وقد بلغ سنّاً يمكن أن يكون فيه جدّاً - فلا يبقى أمل في تأديبه‏.‏ وللفقهاء في معنى الرّشد ووقت تجربة الصّبيّ لمعرفة رشده آراء وخلافات تنظر في مصطلحات‏:‏ ‏(‏حجر، رشد، وسفه‏)‏‏.‏

تجربة القائف لمعرفة كفاءته

8 - يشترط في القائف - عند من يرى العمل بقوله في ثبوت النّسب - أن يكون مجرّباً في الإصابة، لخبر‏:‏ «لا حكيم إلاّ ذو تجربة» ولأنّ القيافة أمر علميّ، فلا بدّ من العلم بمعرفة القائف له، وذلك لا يعرف بغير التّجربة‏.‏

ومن طرق تجربة القائف لمعرفة كفاءته‏:‏ أن يعرض عليه ولد في نسوة، ليس فيهنّ أمّه ثلاث مرّات، ثمّ في نسوة هي فيهنّ، فإذا أصاب في الكلّ فهو مجرّب‏.‏

وتجدر الإشارة إلى أنّ الحنفيّة لا يجيزون العمل بقول القائف مطلقاً، ومن ثمّ لم يشترطوا شروطاً لاعتبار قول القافة دليلاً يعتمد عليه في الحكم‏.‏

وتنظر التّفاصيل المتعلّقة بالموضوع في مصطلح‏:‏ ‏(‏قيافة‏)‏‏.‏

تجربة أهل الخبرة

9 - يشترط في أهل الخبرة الّذين يعمل بقولهم في المنازعات‏:‏ أن تثبت خبرتهم بتجارب مناسبة كالطّبيب والمهندس ونحوهما‏.‏